أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَعْتَزِلْ عَنْ أَنْ أَكُونَ رَاعِيًا وَرَاءَكَ، وَلَا اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ (ار ١٧: ١٦)
(ار ١٧)
إرميا ١٧: ما الفرق بين الشكوى والتذمر؟
هل كل شكوى بنقولها لربنا تعتبر تذمر؟
وهل من الخطأ إننا نقف قدام ربنا ونقول له إننا متضايقين أو موجوعين أو متألمين من ناس أو ظروف؟
في النصف الثاني من إرميا ١٧، نرى إرميا يصلي صلاة فيها ألم وشكوى واضحة جدًا. لكنه في نفس الوقت يعلن ثقته في الله، ويمجده، ويظل خاضعًا لدعوته، ولا يشتهي يوم البلية على الشعب.
وده يخلينا نقارن بين الشكوى المقبولة أمام الله وبين التذمر والاعتراض على الله.
في هذه الحلقة من عيش وملح نتأمل في صلاة إرميا من إرميا ١٧: ١١ وما بعدها، ونقارنها بموقف يونان النبي، ونشوف أيضًا كيف مر أيوب بالمرحلتين: شكوى وتسليم في بداية التجربة، ثم اعتراض مع طول الألم، ثم خضوع بعد مواجهة الله له.
في هذه الحلقة
نتكلم عن:
- صورة الحجلة في إرميا ١٧: ١١ وعلاقتها بالغنى الذي يُجمع بغير حق.
- الغنى الأرضي مقابل الاتكال على الله.
- معنى أن الرب هو «ينبوع المياه الحية».
- صلاة إرميا وقت الألم والاضطهاد.
- هل من المقبول أن نشتكي لربنا؟
- الفرق بين الشكوى والتذمر.
- لماذا كانت شكوى إرميا مختلفة عن تذمر يونان؟
- لماذا غضب يونان بعد توبة نينوى؟
- درس اليقطينة في سفر يونان.
- كيف تغير موقف أيوب مع طول التجربة.
- لماذا واجه الله أيوب؟
- كيف نراجع دوافعنا أثناء الصلاة؟
- أهمية الغفران وعدم تمني الشر للآخرين.
- الفرق بين طلب انتصار بر الله وبين طلب الانتقام الشخصي.
ما الفرق بين الشكوى والتذمر؟
الكتاب المقدس مليان صلوات فيها شكوى وألم، خصوصًا في المزامير.
داود عبّر مرات كثيرة جدًا عن ألمه قدام ربنا، وإرميا كمان اشتكى، وأيوب عبّر بوضوح عن وجعه.
فالشكوى نفسها ليست هي المشكلة.
المشكلة تبدأ لما تتحول الشكوى من إن الإنسان يروح لربنا بألمه وثقته فيه، إلى اعتراض على تصرف الله ورغبة في إن إرادتي أنا هي اللي تمشي.
الشكوى المقبولة فيها خضوع وثقة وتمجيد لله، حتى لو الإنسان موجوع.
أما التذمر ففيه تمركز حول الذات واعتراض على ما سمح به الله أو على الخير الذي اختاره الله لأنه لم يوافق رغباتي أو صورتي أمام الناس.
لماذا كانت صلاة إرميا مختلفة؟
في صلاة إرميا نجد أربع علامات مهمة:
١. تمجيد الله
إرميا يبدأ بإعلان من هو الله:
«أَيُّهَا الرَّبُّ رَجَاءُ إِسْرَائِيلَ» — إرميا ١٧: ١٣
وفي نفس الآية يصفه بأنه:
«الرَّبَّ يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ» — إرميا ١٧: ١٣
يعني هو متألم، لكنه لم ينسَ هو بيتكلم مع مين.
٢. الخضوع والثقة
يقول:
«اِشْفِنِي يَا رَبُّ فَأُشْفَى. خَلِّصْنِي فَأُخَلَّصَ، لأَنَّكَ أَنْتَ تَسْبِيحَتِي.» — إرميا ١٧: ١٤
هو لا يعتمد على نفسه، لكنه يرجع إلى الله كمصدر للشفاء والخلاص.
٣. عدم اشتهاء يوم البلية
بالرغم من إن الناس كانت بتسخر منه، يقول:
«وَلاَ اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ.» — إرميا ١٧: ١٦
يعني ألمه من اضطهادهم له لم يتحول إلى رغبة في رؤية الخراب يقع عليهم.
٤. طلب انتصار بر الله، لا انتصار الذات
إرميا يطلب من الله أن يتدخل ضد الشر، لكن سياق صلاته يكشف أنه لم يكن ينتظر يوم البلية بشماتة.
وده فرق أساسي بين موقفه وبين موقف يونان، الذي غضب لأن نينوى تابت ولم تهلك.
التفريغ الكامل للحلقة
مساء الخير، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من عيش وملح.
مكملين مع بعض في إرميا ١٧.
تعالوا نقرأ من أول آية ١١:
«حَجَلَةٌ تَحْضُنُ مَا لَمْ تَبِضْ مُحَصِّلُ الْغِنَى بِغَيْرِ حَقٍّ. فِي نِصْفِ أَيَّامِهِ يَتْرُكُهُ وَفِي آخِرَتِهِ يَكُونُ أَحْمَقَ!» — إرميا ١٧: ١١
الحجلة دي هي طائر، يعني زي ما قريت عنه كده في التفسير، إن هو بيكون سهل قوي الوصول للبيت بتاعه، إنه بيعمل العش بتاعه على الأرض أو في حتة accessible جدًا.
ففي الأغلب يعني بيتقال عليه إن هو طائر غبي، يعني حاجته بتتجاب بسهولة أو بتتكشف بسهولة.
فهنا بيصور إن محصّل الغنى ده يعمل زي الحجلة اللي قاعدة على بيض مش بتاعها. حد مش ذكي، وإن الغنى بتاعه ده بيسيبه في الآخر، وبيسيبه في آخر أيامه.
زي ما كنا بنقول الحلقة اللي فاتت: الاتكال على فكر الإنسان، أو الاتكال على الإنسان وفكر الأرض بشكل عام، في مقابل إن أنت تبقى بتتكل على ربنا.
يعني بيقول إن إحنا مكاننا مش زي بيض الحجلة كده على الأرض، حاجة مالهاش لازمة.
لأ:
«كُرْسِيُّ مَجْدٍ مُرْتَفِعٌ مِنَ الابْتِدَاءِ هُوَ مَوْضِعُ مَقْدِسِنَا.» — إرميا ١٧: ١٢
اللي هو فوق، في السما، مع ربنا.
ودي حاجة مرتفعة، مش زي المال بتاع الأرض.
بعد كده بيبتدي إرميا يصلي ويقول:
«أَيُّهَا الرَّبُّ رَجَاءُ إِسْرَائِيلَ، كُلُّ الَّذِينَ يَتْرُكُونَكَ يَخْزَوْنَ. الْحَائِدُونَ عَنِّي فِي التُّرَابِ يُكْتَبُونَ، لأَنَّهُمْ تَرَكُوا الرَّبَّ يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ.» — إرميا ١٧: ١٣
زي ما كان بيتكلم في الحلقة اللي فاتت على فكرة الشجرة المغروسة على المياه، أهو ده الإنسان اللي بيكون مع ربنا.
هنا في صلاته بيقول له: أنت يا رب ينبوع المياه الحية.
بيطلب منه، بيقول له:
«اِشْفِنِي يَا رَبُّ فَأُشْفَى. خَلِّصْنِي فَأُخَلَّصَ، لأَنَّكَ أَنْتَ تَسْبِيحَتِي.» — إرميا ١٧: ١٤
«هَا هُمْ يَقُولُونَ لِي: أَيْنَ هِيَ كَلِمَةُ الرَّبِّ؟ لِتَأْتِ!» — إرميا ١٧: ١٥
فواضح في صلاته إن الشعب بيعيره.
بيقولوا له: إنت بتخوفنا وبتقول لنا إن ربنا هيجيب علينا سبي.
طب حلو قوي، فين بقى الكلام ده؟ ما تيجي الكلمة دي. إحنا مش خايفين.
أما هو بيقول:
«أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَعْتَزِلْ عَنْ أَنْ أَكُونَ رَاعِيًا وَرَاءَكَ، وَلاَ اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ. أَنْتَ عَرَفْتَ. مَا خَرَجَ مِنْ شَفَتَيَّ كَانَ مُقَابِلَ وَجْهِكَ.» — إرميا ١٧: ١٦
هو بيقول: يا رب، بالرغم من إن هم بيتريقوا عليّ وبيسخروا مني، إلا إن أنا ما اعتزلتش إن أنا أفضل ماشي ورا كلمتك.
ولا اشتهيت يوم البلية.
يعني بالرغم من إن هم بيقولوا لي: فين كلمة الرب دي؟ خليها تيجي، أنا يا رب لم أشتهِ يوم البلية.
مش مشتهي اليوم اللي هييجي فيه السبي.
«لاَ تَكُنْ لِي رُعْبًا. أَنْتَ مَلْجَإِي فِي يَوْمِ الشَّرِّ.» — إرميا ١٧: ١٧
«لِيَخْزَ طَارِدِيَّ وَلاَ أَخْزَ أَنَا. لِيَرْتَعِبُوا هُمْ وَلاَ أَرْتَعِبْ أَنَا. إِجْلِبْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الشَّرِّ وَاسْحَقْهُمْ سَحْقًا مُضَاعَفًا.» — إرميا ١٧: ١٨
نوع الصلاة اللي إحنا شايفين إرميا بيعمله ده، فيه شوية شكوى، فيه شوية زعل وحزن قدام ربنا.
موجود كتير قوي.
بنشوفه كتير قوي في الكتاب المقدس.
وأشهرهم طبعًا، وإحنا بنقرأ صلاة زي دي، أشهر مكان هنلاقي فيه ده هو المزامير.
صلاة فيها شوية شكوى لربنا، فيها إن حد مضايقني، أو في حاجة وحشة بتحصل لي، وأنا جاي أشتكي لك وأقول لك: يا رب، شوف اللي بيحصل.
وأوقات كتير لما بنقرأ الصلوات دي، أو إحنا بنمارسها نفسنا، ممكن نحتار:
إيه هو الشكل المقبول للشكوى؟
إيه شكل الصلوات اللي لما أبص عليها في الكتاب المقدس أقول إن دي شكوى مقبولة وصلاة مقبولة من ربنا؟
وإيه شكل الشكوى اللي بتقلب تذمر وعدم عرفان بمراحم ربنا علينا؟
أكيد طبعًا ربنا بيحب جدًا يسمع شكوتنا في صلاتنا.
بيحب إن إحنا نقعد معاه ونفضفض، لأنه هو بيحبنا جدًا.
فأكيد أي شخص بيحبك عايز يسمعك.
عايزك تروح له وتقول له اللي مضايقك.
وإلا ما كانش كمان ربنا في المزامير، اللي هي بنتعلم منها الصلاة، ورّانا كمية شكاوى من داود رهيبة جدًا نقدر إحنا كمان في صلاتنا نستخدمها.
بس لازم نفرق ما بين الشكوى والتذمر.
لما بنشتكي أوقات كتير، أو في الأغلب، بيكون من الشرير لأنه بيصحبها التذمر.
تعالوا ناخد مثال لصلاة كان فيها تذمر، أو كانت صلاة مش للشكوى أو للطلب من الله.
الصلاة دي كانت في حياة يونان النبي.
كلنا عارفين اللي حصله، إن هو كان هربان من دعوة ربنا ليه، إن هو يروح يبشر أهل نينوى ويرجعهم عن خطيتهم.
فهو كان رافض.
في الآخر طبعًا ربنا، وإحنا عارفين قصة الحوت، وهو في الآخر خضع لربنا وراح.
وبعد ما راح، حصلت حاجة المفروض إنها تبقى حلوة جدًا.
لقينا إن شعب نينوى ده تاب واترحم.
وما حصلش الهلاك اللي كان ربنا محذرهم منه.
بالعكس، لم يهلكوا. هم خلصوا.
فبدل ما يونان يفرح، مكتوب كده:
«فَغَمَّ ذلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَاغْتَاظَ.» — يونان ٤: ١
وبعد كده صلى إلى الرب وقال:
«آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ.» — يونان ٤: ٢
وبعدين يقول:
«فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي.» — يونان ٤: ٣
الصلاة دي يعني مبطنة كده وملغمة بالحاجات الغريبة.
هو بيقول له: يا رب، أنا من الأول قلت لك.
أنا كنت قاعد في بيتي، وهربت، وما كنتش عايز أصلًا أروح أعمل الدعوة اللي أنت قلت لي عليها دي.
لأني أنا عارف من الأول إن أنت طيب وهتسامحهم.
دلوقتي بقى خد نفسي.
موتني.
لأن أنا أصلًا قلت لهم إن أنت هتهلكهم، وأنت أحرجتني.
يعني إنت كده خليت شكلي وحش.
فموتني بقى. خدني.
موقف غريب من نبي رايح أصلًا، المفروض رايح نيته ينقذ ناس.
بدل ما يفرح إنهم خلصوا، لأ، ده زعلان إنهم خلصوا عشان كلمته ما تنفذتش.
فربنا عمل إيه؟
سابه.
وهو طلع بعد كده، بعد ما الموقف ده خلص، راح قاعد في حتة ضلة كده.
فربنا جاب له يقطينة، وكبرت جدًا وعملت له ضلة رهيبة.
هو كان فرحان بيها قوي، وقاعد مستمتع بالضلة.
وبعد كده فجأة ربنا أهلك اليقطينة دي.
ماتت.
فيونان زعل جدًا على اليقطينة اللي كانت عاملاله الضلة، وإن الضلة دي راحت.
فربنا قال له:
«أَنْتَ شَفَقْتَ عَلَى الْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا وَلاَ رَبَّيْتَهَا، الَّتِي بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ.» — يونان ٤: ١٠
وبعدين:
«أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟» — يونان ٤: ١١
يعني إنت زعلت على اليقطينة، ومش عايزني أنا أشفق على نينوى؟
فواضح جدًا هنا الفرق بين شكوى يونان وشكوى إرميا.
طيب ليه بنقول على واحدة مقبولة، اللي هي شكوى إرميا؟
وليه بنقول على واحدة تانية إنها خطية، وإنها كان لازم ربنا يأدبه عليها عشان يوضح له خطيته دي؟
أول حاجة إن شكوى إرميا كان فيها تمجيد واضح لربنا.
بيبتدي بيه في الأول.
بيقول:
«أَيُّهَا الرَّبُّ رَجَاءُ إِسْرَائِيلَ» — إرميا ١٧: ١٣
وبيعلن إن الرب هو:
«يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ» — إرميا ١٧: ١٣
فبيقول له: يا رب، إنت المياه الحقيقية.
اللي يبعد عنك ده يخزى.
بيمجده.
وده هتلاقيه أسلوب متكرر في مزامير كتير لداود، إن فيها تمجيد لربنا ولقدرته.
تاني حاجة إن هي فيها اتضاع أو خضوع وإعلان ثقة في السلطان والقدرة بتاعت الله.
بيقول له:
«اِشْفِنِي يَا رَبُّ فَأُشْفَى. خَلِّصْنِي فَأُخَلَّصَ، لأَنَّكَ أَنْتَ تَسْبِيحَتِي.» — إرميا ١٧: ١٤
بيقول له: إنت اللي هتشفيني، وإنت اللي هتخلصني.
إنت تسبيحتي.
إنت كل شيء بالنسبة لي.
تالت وأهم حاجة، وبننسى دي كتير: غفران لمن أساء إليّ وعدم تمني الشر ليهم.
بيقول:
«وَلاَ اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ.» — إرميا ١٧: ١٦
أنا عمري يا رب ما بطلت أبقى النبي ليهم، وأروح أكلمهم وأبشرهم وأعمل اللي إنت عايزه مني.
ولا اشتهيت إني أشوفهم في السبي.
بالرغم من تريقتهم عليه، وإن الحاجة اللي هو عمال يخوفهم بيها، السبي دي، ما جاتش.
وأكيد بيقولوا عليه كذاب، وبيقعد يقول على مصايب ونكد.
بس هو ما كانش جواه روح الانتقام.
بالعكس، هو ما كانش عايز أصلًا الكلام ده يتحقق، لأنه خايف عليهم.
لكن شكواه كانت من الألم اللي هم بيحسسوه بيه، مش أكتر من كده.
وفي الجزء الأخير بيطلب فيه نهاية الشر ده، أو إن الشر اللي حاصل ده يسقط.
كان بيطلب انتصار الخير على الشر اللي حواليه.
هو بيطلب نصرة لبر الله على شر العالم، سواء بقى كان في صورة إنسان أو أي شكل تاني.
ودي النقطة الرابعة اللي كانت مهمة قوي، إن شكواه ما كانتش لإتمام سعادته أو عشان رأيه هو اللي يمشي.
لأ.
شكواه كانت إنه عايز بر الله هو اللي ينتصر على شر العالم.
في آخر حتة في الصلاة بيقول له:
«أَنْتَ مَلْجَإِي فِي يَوْمِ الشَّرِّ.» — إرميا ١٧: ١٧
وبعدين يطلب تدخل الله ضد طارديه في إرميا ١٧: ١٨.
وهو ده الفرق الواضح ما بين صلاته وصلاة يونان.
يونان كان مش مبسوط بالخير اللي حصل.
مش مبسوط إن الدعوة اللي هو راح عليها تمت، وإن نينوى تابت.
ما كانش همه غير منظره ومشاعره هو بس.
صلاته ما كانش فيها تسليم لله.
لأ، كان داخل يشتكي ويقول له: ما أنا كنت عارف من الأول إن إنت هتعمل كده.
وبعدين طلب الموت لنفسه.
كتير في حياتنا بنتحط في موقف زي يونان وإرميا.
إننا بندافع عن الحق، ونتصور إننا بندافع عن الحق وبندافع عن ربنا.
ولكن في الحقيقة نكون بندافع عن رأينا ومشاعرنا وسعادتنا.
دوافعنا ما بتكونش نقية زي ما دوافع إرميا كانت نقية.
بتكون ملوثة بالذات، زي يونان.
وقتها شكوتنا بتقلب تذمر، وبتستاهل تأديب من الله.
أيوب مثال للحاجتين.
في أول التجربة قال:
«أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟» — أيوب ٢: ١٠
وكان مستسلم لإرادة ربنا، وما كانش بيعترض.
بس مع طول التجربة، اتنقلت صلاته من شكوى عادية لاعتراض.
بالذات الموضوع ده تفاقم جدًا بعد ما أصحابه جم وحسسوه إن اللي هو فيه ده بسبب خطيته.
فحس بالخزي والعار، وصعبت عليه نفسه.
بعد كده بييجي ربنا ويكلمه من العاصفة، ويسأله أسئلة كتير بتكشف محدوديته.
المعنى هنا مش إنه عايز يهزأه.
لأ.
هو عايز يفكره هو مين.
يقول له: أنا الله.
افتكرني.
صحح موقفك تجاهي.
افتكر إنت بتكلم مين.
وبعد المواجهة دي مع الله، أيوب بينتهي اعتراضه وبيخضع.
فيقول:
«وَلكِنِّي قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا.» — أيوب ٤٢: ٣
ثم يقول:
«لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ.» — أيوب ٤٢: ٦
بيندم أيوب على الوقت اللي اعترض فيه ونسي مين هو الله مع شدة التجربة.
ومع علو العاصفة وكتر المشغوليات في حياتنا، ومع الألم وضغوطه، كلنا ممكن يحصل لنا زي أيوب.
بنعترض على الله، وبنكون عايزين رأينا اللي يمشي، مش الصالح أو الخير العام.
بنتمنى الشر للآخرين زي يونان.
وبننسى إن زي ما إحنا أولاد الله، اللي بيئذيني ده كمان ربنا مهتم بيه وبخلاصه ومصلحته.
ياريت كلنا نراجع صلاتنا.
طبعًا ربنا عايز يسمع شكوانا.
مفيش أحن منه نروح ونترمي في حضنه ونتكلم معاه.
بس لازم نراجع نفسنا.
إحنا بنقول له إيه وليه؟
هل إحنا رايحين له بقلوب بتطلب الغفران للآخرين؟
بتطلب إنها تسامح؟
بتطلب إنها تحب؟
عايزة الخير؟
عايزة كلمته وحقه هو اللي يمشي؟
ولا قلوب عايزة مصلحتها، وعايزة حقها، ونصرتها هي اللي تمشي؟
مهم قوي إننا نعرف الفرق، عشان صلاتنا تبقى زي صلاة إرميا وداود.
أشوفكم الحلقة الجاية ونكمل مع بعض إرميا.
أسئلة مرتبطة بموضوع الحلقة
هل الشكوى لله خطية؟
لا. الكتاب المقدس فيه صلوات كثيرة يعبّر فيها الإنسان بوضوح عن ألمه وضيقته أمام الله، خصوصًا في المزامير وفي حياة إرميا وأيوب.
المهم هو موقف القلب أثناء الشكوى: هل أنا رايح لربنا بثقة وخضوع، ولا باعتراض ورغبة إن رأيي أنا هو اللي يمشي؟
ما الفرق بين الشكوى والتذمر؟
الشكوى تذهب بالألم إلى الله وتظل متمسكة بالثقة فيه.
أما التذمر فيتحول إلى اعتراض على الله، وتمركز حول الذات، وإصرار على أن ما أريده أنا كان يجب أن يحدث.
الفرق الأساسي هو الخضوع لله والثقة في حكمته.
لماذا كان موقف يونان تذمرًا؟
لأن يونان غضب من رحمة الله على نينوى.
يقول الكتاب:
«فَغَمَّ ذلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَاغْتَاظَ.» — يونان ٤: ١
بدل ما يفرح إن الناس تابت ونجت، كان غاضبًا لأن الهلاك الذي أنذرهم به لم يحدث.
لماذا كانت شكوى إرميا مختلفة؟
لأنها تضمنت تمجيد الله، والثقة فيه، والخضوع لدعوته، وعدم اشتهاء يوم البلية على الشعب.
يقول:
«وَلاَ اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ.» — إرميا ١٧: ١٦
هل يجوز أن أطلب من الله أن ينهي الشر؟
نعم. يمكن للإنسان أن يطلب تدخل الله وانتصار الحق والبر.
لكن الحلقة تلفت نظرنا إلى أهمية فحص الدافع: هل أريد انتصار بر الله، أم مجرد انتقامي وانتصاري الشخصي؟
ماذا حدث مع أيوب عندما طال ألمه؟
في بداية التجربة ظهر تسليم أيوب لله، وقال:
«أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟» — أيوب ٢: ١٠
لكن مع طول التجربة دخل في صراع واعتراضات، ثم أعاده الله إلى رؤية أوضح لعظمته ومحدودية الإنسان، وفي النهاية قال:
«لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ.» — أيوب ٤٢: ٦
أربع علامات للشكوى المقبولة أمام الله
١. فيها تمجيد لله
حتى وأنا متألم، أفتكر من هو الله.
إرميا يسميه:
«أَيُّهَا الرَّبُّ رَجَاءُ إِسْرَائِيلَ» — إرميا ١٧: ١٣
٢. فيها خضوع وثقة
إرميا يقول:
«اِشْفِنِي يَا رَبُّ فَأُشْفَى. خَلِّصْنِي فَأُخَلَّصَ» — إرميا ١٧: ١٤
فهو يضع ثقته في قدرة الله، لا في قدرته الشخصية.
٣. لا تتحول إلى رغبة في الانتقام
رغم رفض الشعب وسخريتهم، يقول إرميا:
«وَلاَ اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ.» — إرميا ١٧: ١٦
٤. الهدف فيها هو انتصار بر الله
مش إن رأيي أنا هو اللي ينتصر، لكن إن الحق والخير ومشيئة الله هم اللي ينتصروا.
آيات مرتبطة بموضوع الحلقة
إرميا ١٧: ١١
«حَجَلَةٌ تَحْضُنُ مَا لَمْ تَبِضْ مُحَصِّلُ الْغِنَى بِغَيْرِ حَقٍّ. فِي نِصْفِ أَيَّامِهِ يَتْرُكُهُ وَفِي آخِرَتِهِ يَكُونُ أَحْمَقَ!»
إرميا ١٧: ١٢
«كُرْسِيُّ مَجْدٍ مُرْتَفِعٌ مِنَ الابْتِدَاءِ هُوَ مَوْضِعُ مَقْدِسِنَا.»
إرميا ١٧: ١٣
«أَيُّهَا الرَّبُّ رَجَاءُ إِسْرَائِيلَ»، وفي نفس الآية يصف الرب بأنه «يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ».
إرميا ١٧: ١٤
«اِشْفِنِي يَا رَبُّ فَأُشْفَى. خَلِّصْنِي فَأُخَلَّصَ، لأَنَّكَ أَنْتَ تَسْبِيحَتِي.»
إرميا ١٧: ١٥
«هَا هُمْ يَقُولُونَ لِي: أَيْنَ هِيَ كَلِمَةُ الرَّبِّ؟ لِتَأْتِ!»
إرميا ١٧: ١٦
«وَلاَ اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ.»
يونان ٤: ١-٣
فَغَمَّ ذَلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَاغْتَاظَ. وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هَذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذَلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلَهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي
يونان ٤: ١٠؛ ١١
فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنْتَ شَفِقْتَ عَلَى الْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا وَلَا رَبَّيْتَهَا، الَّتِي بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ.أَفَلَا أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟»
أيوب ٢: ١٠
«أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟»
أيوب ٣٨-٤١
مواجهة الله لأيوب وتذكيره بعظمته ومحدودية فهم الإنسان.
أيوب ٤٢: ٣؛ ٦
«وَلكِنِّي قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ»، ثم: «لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ.»

